المقريزي
154
المقفى الكبير
فاختاروا الطفيل بن عامر بن واثلة - وهو المقتول مع عبد الرحمن بن الأشعث - ومحمد بن نشر ، وأبا المعتمر ، وهاني بن قيس ، فأمرهم ابن الحنفيّة بكتمان أمرهم . وأمر لهم بأربع نجائب ، وأجّلهم لذهابهم ومجيئهم ستّا وعشرين ليلة . [ استنجاد ابن الحنفيّة بالمختار الثقفيّ ] فلمّا هدأت العيون ونام طالع الكلاب « 1 » ورمق الحرس فوجدهم نياما مستثقلين ، دفع إليهم كتابا منه إلى المختار بن أبي عبيد ، وإلى من قبله من الشبعة يخبرهم فيه بحالهم وما يتخوّفون من ابن الزبير ويقول فيه : يا غوثنا باللّه ! يا غوثنا باللّه ! وقال : إن رأيتم منهم ما تحبّون حمدتم اللّه على ذلك . وإن رأيتم منهم تقصيرا فأعلموا الناس ما جاء بكم ، والحالة التي تركتمونا عليها . فلمّا قرأ المختار الكتاب دعا أصحابه فقرأه عليهم ، فوثب جميع من في القصر يبكون ويضجّون ويقولون للمختار : سرّحنا إليه وعجّل ! فخطب المختار الناس وقال : هذا كتاب مهديّكم ، وصريخ أهل بيت نبيّكم ، ومن معهم إخوانكم قد تركوا محظورا عليهم حظر كزرب الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار ، في آناء الليل وتارات النهار . لست بأبي إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا وأصرف إليهم الخيل في آثار الخيل كالسيل يتلوه السيل [ 128 أ ] حتّى يحلّ بابن الكاهليّة « 2 » الويل . وأنفذ المختار جواب كتاب ابن الحنفيّة مع محمد بن نشر والطفيل ابن أبي الطفيل عامر بن واثلة . واحتبس قبله أبا المعتمر وهاني بن قيس ليسرّح معهما جيشا . ثمّ وجّه أبا عبد اللّه ابن عبد ، من ولد واثلة بن عمرو بن تاج بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان - وهو الذي يعرف بأبي عبد اللّه الجدليّ لأنّ أمّ عدنان بن عمرو وفهم بن عمرو يقال لها : جديلة ، فهم ينسبون إليها - في سبعين راكبا . ووجّه أيضا عقبة بن طارق الجشميّ في أربعين راكبا ، ويونس بن عمرو بن عمران الجابريّ في أربعين راكبا . وكان يونس قد رجع إلى الكوفة قبل شخوص هؤلاء الأربعة النفر . فسار هؤلاء المائة والخمسون ومن عليهم حتّى وافوا مكّة ، ومحمد بن الحنفيّة وأهل بيته وأولئك القوم قد أعدّ لهم عبد اللّه بن الزبير الحطب ليحرّقهم بالنار حتّى يبايعوه ، فعقل القادمون رواحلهم وكبّروا ونادوا : يا لثارات الحسين ! ثمّ شدّوا على الحرس الموكّلين بابن الحنفيّة وأصحابه فطردوهم ، ودخلوا عليه يفدونه بآبائهم وأمّهاتهم ويقولون : خلّ بيننا وابن الزبير ! فقال : لا أستحلّ القتال في الحرم ! وقال ابن الزبير : فوا عجبا من هذه الخشبيّة التي اغتزوني في سلطاني ينعون حسينا كأنّي أنا قاتل حسين . واللّه لو قدرت على قتلته لقتلتهم ! - وكان دخولهم على ابن الزبير ، وفي أيديهم الخشب ، كراهة أن يشهّروا في الحرم والمسجد الحرام السيوف . وقال بعضهم : بل وثبوا على الخشب الذي كان ابن الزبير جمعه حول زمزم لإحراق ابن الحنفيّة ، وأخذ كلّ امرئ منهم بيده خشبة فسمّوا « الخشبيّة » . وأقبل ابن الزبير على أبي عبد اللّه الجدليّ وأصحابه فقال : أتروني أخلّي سبيل صاحبكم دون أن يبايع وتبايعوا ؟
--> ( 1 ) هكذا في المخطوط ، ولعلّ طالع الكلاب هو العسس بالكلاب ، أو طائفة من الحرس الليليّ . ( 2 ) حاشية في الهامش : ابن الكاهليّة : عبد اللّه بن الزبير ، وذلك أنّ أمّ خويلد أبي العوّام [ هي ] زهرة بنت عمرو بن خنتريس بن خنتر من بني كاهل بن أسد بن خزيمة .